/ الفَائِدَةُ : (13) /

25/01/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /الْمَقْصُودُ مِنْ عُنْوَانِ : (بُكَاءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ) وَمَا شَاكَلَهُمَا/ الْمَقْصُودُ مِنْ عُنْوَانِ : (بُكَاءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ) وَمَا شَاكَلَهُمَا الْوَارِدِ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (1) ؛ تَعَابِيرُ حَقِيقِيَّةٌ لَا يَشُوبُهَا شَوْبُ الْمَجَازِ ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ : بُكَاءُ الْمَلَائِكَةِ ؛ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ أَبْدَانٌ لِلْمَلَائِكَةِ ، وَنُفُوسُهَا نُفُوسٌ لَهَا . مِثَالُهُ : السَّمَاءُ الْأُولَىٰ ، فَإِنَّهَا بَدَنٌ لِلْمَلَكِ إِسْمَاعِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وَنَفْسُهَا الْكُلِّيَّةُ نَفْسُهُ ، وَهَٰذِهِ النُّفُوسُ الْكُلِّيَّةُ لَهَا شُعُورٌ وَتَأَثُّرٌ ، بَلْ شُعُورُهَا وَتَأَثُّرُهَا أَشَدُّ بِمَرَاتِبَ مِنْ شُعُورِ وَتَأَثُّرِ النُّفُوسِ الْجُزْئِيَّةِ . وَطَرِيقَةُ وَنَمَطُ بُكَائِهَا : اِحْمِرَارُهَا . /بُكَاءُ السَّمَاوَاتِ وَالْبُلْدَانِ دَمًا لِمَقْتَلِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ)/ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَيَانَاتُ الْوَحْيِ وَالنُّقُولُ التَّارِيخِيَّةُ ، وَبِأَسَانِيدَ مُسْتَفِيضَةٍ ، بَلْ مُتَوَاتِرَةٍ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ : أَنَّ السَّمَاءَ وَبَعْضَ الْبُلْدَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ ـ كَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَالْكُوفَةِ ـ بَكَتْ جُدْرَانُهَا دَمًا بَعْدَ مَقْتَلِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) لِمُدَّةٍ وَصَلَ بَعْضُهَا إِلَىٰ أَرْبَعِ سِنِينَ مُتَوَاصِلَةٍ أَدَّىٰ إِلَىٰ جَزَعِ أَهْلِهَا . فَلَاحِظْ : 1ـ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَعْثَمَ فِي (الْفُتُوحِ) عَنْ كَعْبٍ ، قَالَ : « صَدَقَ عَبْدُ اللّٰـهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّٰـهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ هَوْلِ وَعَظَمَةِ مَا سَيَحْدُثُ فِي الْكَوْنِ مِنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ... قَالَ كَعْبٌ : ... أَوَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ يُفْتَحُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَبْوَابُ السَّمَاءِ كُلُّهَا وَيُؤْذَنُ لِلسَّمَاءِ بِالْبُكَاءِ ؛ فَتَبْكِي دَمًا عَبِيطًا ؟ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْحُمْرَةَ قَدِ ارْتَفَعَتْ مِنْ جَنَبَاتِهَا شَرْقًا وَغَرْبًا فَاعْلَمُوا بِأَنَّهَا تَبْكِي حُسَيْنًا ، فَتَظْهَرُ هَٰذِهِ الْحُمْرَةُ فِي السَّمَاءِ ... »(2). 2ـ مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ فِي ذَيْلِ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ الْمُتَقَدِّمِ : « لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (رِضْوَانُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِ ، وَبُكَاؤُهَا حُمْرَتُهَا »(3). 3ـ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي خَالَتِي أُمُّ سَالِمٍ ، قَالَتْ : « لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ مُطِرْنَا مَطَرًا كَالدَّمِ عَلَىٰ الْبُيُوتِ وَالْجُدُرِ »(4) . وَعَنِ الثَّعْلَبِيِّ زِيَادَةٌ ، قَالَ : « وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ بِخُرَاسَانَ وَالشَّامِ وَالْكُوفَةِ »(5) . /امْتِدَادُ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ إِلَى مَنَاطِقَ نَائِيَةٍ/ بَلْ أُرِّخَ فِي الْمَوْسُوعَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ : أَنَّ سُكَّانَ الْغَرْبِ لَاحَظُوا فِي عَامِ (685م) الْمُصَادِفِ أَوِ الْمُقَارِبِ لِسَنَةِ (61 هـ) ـ حَالَةً مُلْفِتَةً لِلنَّظَرِ ، وَهِيَ : أَنَّ مَآكِلَهُمْ وَمَشَارِبَهُمْ قَدْ خُلِطَتْ بِالدَّمِ (6). إِذَنْ : هُنَاكَ تَوَافُقٌ وربط مُذْهِلٌ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ وَمَا سَجَّلَتْهُ الحَوْلِيَّاتُ الإِنْجِلِيزِيَّةُ البَعِيدَةُ جُغْرَافِيّاً . وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذَا التَّوَافُقِ وَالرَّبْطِ فِي النُّقَاطِ التَّالِيَةِ : /المُطَابَقَةُ الزَّمَانِيَّةُ/ وَقَعَتْ حَادِثَةُ كَرْبَلَاءَ فِي عَامِ 61 هـ المُوافِقِ لِـ 680 م . وَقَدْ ذَكَرَتِ الْحَوْلِيَّاتُ الْإِنْجِلِيزِيَّةُ هذه الحَادِثَةَ تَحْتَ سَنَةِ 685 م . ويُفَسِّرُ البَاحِثُونَ هَذَا الفَارِقَ البَسِيطَ (5 سَنَوَاتٍ) فِي التَّأْرِيخِ الأُورُوبِّيِّ القَدِيمِ بِكَوْنِهِ نَاتِجاً عَنِ اضْطِرَابٍ فِي حِسَابِ التَّقْوِيمِ (Calendar shift) ، أَوْ أَنَّ هذه الظَّاهِرَةَ اسْتَمَرَّتْ أَوْ تَكَرَّرَ ظُهُورُ آثَارِهَا لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ ، كَمَا ذُكِرَ فِي المَصَادِرِ الإِسْلَامِيَّةِ : (أَنَّ جُدْرَانَ البَصْرَةِ وَالكُوفَةِ نَضَحَتْ دَماً لِعِدَّةِ سِنِينَ). /وَحْدَةُ الظَّاهِرَةِ/ إِنَّ وَصْفَ(مَطَرِ الدَّمِ المذكور فِي الْمَوْسُوعَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ) هُوَ ذَاتُهُ الوَصْفُ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ المَصَادِرُ الإِسْلَامِيَّةُ (مِثْلُ تَارِيخِ دِمَشْقَ ، وَتَهْذِيبِ الكَمَالِ) حِينَ قَالَتْ : « مَا رُفِعَ حَجَرٌ إِلَّا وَوُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ » ، وَ «أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً». /بُكَاءُ السَّمَاءِ وَالْبُلْدَانِ لِمَقْتَلِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ ظَاهِرَةٌ عَالَمِيَّةٌ/ /التَّطَابُقُ الْكَوْنِيُّ بَيْنَ الْمَصَادِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْحَوْلِيَّاتِ الْأَوْرُوبِيَّةِ/ إِنَّ وُجُودَ هَذَا الذِّكْرِ فِي الْحَوْلِيَّاتِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ لَمْ تَكُنْ مَحَلِّيَّةً أَوْ خُرَافَةً مَذْهَبِيَّةً ، بَلْ كَانَتْ « ظَاهِرَةً كَوْنِيَّةً » رَصَدَتْهَا شُعُوبٌ لَا تَرْبِطُهَا بِالعَرَبِ أَوِ الإِسْلَامِ أَيُّ صِلَةٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ ، مِمَّا يُعَزِّزُ الحُجَّةَ العِلْمِيَّةَ وَالمَنْطِقِيَّةَ لِقَدَاسَتِهَا وَعِظَمِ شَأْنِهَا . وَبِالْجُمْلَةِ : يَتَجَلَّى بُرْهَانُ الْقَدَاسَةِ الذَّاتِيَّةِ لِثَوْرَةِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) فِي التَّطَابُقِ الْمُذْهِلِ بَيْنَ مَا نَقَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْكُتُبِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ الْبَعِيدَةِ عَنِ التَّحَيُّزِ الْمَذْهَبِيِّ ؛ حَيْثُ سَجَّلَتِ الْمَصَادِرُ : أَنَّ السَّمَاءَ بَكَتْ دَمًا لِاسْتِشْهَادِهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، وَبَقِيَتْ جُدْرَانُ بَعْضِ الْبُلْدَانِ تَنْضَحُ دَمًا لِأَعْوَامٍ(7). إِذَنْ: مَا يُعَضِّدُ هَذَا الِانْعِكَاسَ التَّكْوِينِيَّ لِلْفَاجِعَةِ وُرُودُهَا فِي (حَوْلِيَّاتِ الْأَنْجْلُو سَاكْسُونِ - THE ANGLO-SAXON CHRONICLE) ـ وَهِيَ مِنْ أَهَمِّ الْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ فِي بَرِيطَانْيَا ـ ؛ إِذْ سَجَّلَتْ فِي حَوَادِثِ عَامِ (685 م) ظَاهِرَةً كَوْنِيَّةً اسْتِثْنَائِيَّةً تَمَثَّلَتْ فِي هُطُولِ "أَمْطَارٍ دَمَوِيَّةٍ" شَمَلَتْ بِقَاعًا مِنَ الْعَالَمِ(3). وَبِالْجُمْلَةِ : مَعَ مُرَاعَاةِ الْفَارِقِ الزَّمَنِيِّ الْبَسِيطِ فِي ضَبْطِ التَّقَاوِيمِ الْقَدِيمَةِ ـ فَإِنَّ هٰذَا الرَّصْدَ الْأَوْرُوبِيَّ لَا يُمِثِّلُ مُجَرَّدَ تَوَافُقٍ زَمَنِيٍّ ، بَلْ هُوَ شَهَادَةٌ كَوْنِيَّةٌ عَابِرَةٌ لِلْقَارَّاتِ ـ لَمْ يَكُنْ مَا وَصَفَهُ الْمُؤَرِّخُونَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَكَاءِ السَّمَاءِ دَمًا بَعْدَ فَاجِعَةِ الطَّفِّ مُبَالَغَةً ادَبِيَّةً ، بَلْ حَقِيقَةً تَكْوِينِيَّةً شَهِدَتْ بِهَا الْآفَاقُ ، وَوَثَّقَتْهَا أَقْلَامُ أُمَمٍ لَا تَعْرِفُ عَنْ كَرْبَلَاءَ شَيْئًا ، وَهَذَا مَا يَنْقُلُ الْحَدَثَ مِنْ حَيِّزِ النَّقْلِ الْمَحَلِّيِّ إِلَىٰ رِحَابِ الْإِعْجَازِ الْإِلٰهِيِّ الشَّامِلِ ، وَيُثْبِتُ أَنَّ حَقِيقَةَ مَا حَصَلَ مَعَ وَبَعْدَ مَقْتَلِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ . /مَصَادِرَ غَرْبِيَّةٍ أُخْرَىٰ (رُومَانِيَّةٍ وصِينِيَّةٍ) أَشَارَتْ لِتِلْكَ الْحَقْبَةِ/ بَلْ إِنَّ الِانْعِكَاسَاتِ الْكَوْنِيَّةَ لِفَاجِعَةِ كَرْبَلَاءَ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى الْمَصَادِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَوِ الْبَرِيطَانِيَّةِ حَسْبُ ، بَلْ هُنَاكَ إِشَارَاتٌ فِي حَوْلِيَّاتِ حَضَارَاتٍ أُخْرَىٰ تَقَعُ فِي أَقْصَى الشَّرْقِ وَأَقْصَى الْغَرْبِ ، منها : ١. الْمَصَادِرُ الْبِيزَنْطِيَّةُ (الرُّومَانِيَّةُ الشَّرْقِيَّةُ) ؛ فَإِنَّهُ سَجَّلَ الْمُؤَرِّخُونَ الْبِيزَنْطِيُّونَ اضْطِرَابَاتٍ فِي الطَّبِيعَةِ خِلَالَ الْعَقْدِ السَّادِسِ مِنَ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْمِيلَادِيِّ . فَانْظُرْ: حَوْلِيَّاتِ الْمُؤَرِّخِ ثِيُوفَانِيسَ . وَمَضْمُونُ مَا ذَكَرَهُ فِي تَأْرِيخِهِ لِلْفَتْرَةِ مَا بَيْنَ (680-685 م) : « حُدُوثَ ظَوَاهِرَ غَرِيبَةٍ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ، وَأَنَّ الظُّلْمَةَ غَشِيَتِ الشَّمْسَ ، وَأَنَّ هُنَاكَ زَلَازِلَ وَآثَارًا حَمْرَاءَ ظَهَرَتْ فِي السَّمَاءِ » . وَهذا مَا يَتَوافق مَعَ رِوَايَاتِ (الْكُسُوفِ) وَ(الْحُمْرَةِ بَعْدَ قتل سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ)) الْمَذْكُورَةِ في المصادر الاسلامية . ٢. الْمَصَادِرُ الصِّينِيَّةُ (سُلَالَةُ تَانْغ - TANG DYNASTY) ، كِتَاب (تَانْغ الْقَدِيمُ - OLD BOOK OF TANG) ، وَسِجِلَّاتُ الْفَلَكِ لِلْإِمْبَرَاطُورِ (غَاو زُونْغ). وتُعْتَبَرُ السِّجِلَّاتُ الصِّينِيَّةُ مِنْ أَدَقِّ السِّجِلَّاتِ الْفَلَكِيَّةِ فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ. وَمَضْمُونُ مَا ذُكِرَ فِيهَا : (ظُهُورِ مُذَنَّبٍ عَظِيمٍ ، وَتَغَيُّرٍ فِي لَوْنِ السَّمَاءِ ، وَاضْطِرَابٍ فِي الْمَنَاخِ بَيْنَ عَامَيِ (680 م وَ 681 م)). وَمِنَ الْمَعْرُوفِ فِي الثَّقَافَةِ الصِّينِيَّةِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ هٰذِهِ الْعَلَامَاتِ كَانَتْ تُفَسَّرُ عَلَىٰ أَنَّهَا : (غَضَبُ السَّمَاءِ ؛ لِحَدَثٍ جَلَلٍ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) . ٣. الْمَصَادِرُ الْإِيرلَنْدِيَّةُ (حَوْلِيَّاتُ أُولْسْتَر - ANNALS OF ULSTER ، الْإِدْخَالُ رَقْمُ (685 م)) . وهذه الحَوْلِيَّاتُ تُشْبِهُ إِلَىٰ حَدٍّ كَبِيرٍ حَوْلِيَّاتِ الْأَنْجْلُو سَاكْسُونِ ، لَكِنَّهَا كُتِبَتْ بِأَقْلَامِ رُهْبَانٍ إِيرلَنْدِيِّينَ . فَقَدْ وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ التَّالِي : (Part of the sea was turned into blood) . وَتَرْجَمَتُهُ : أَنَّهُ (تَحَوَّلَ جُزْءٌ مِنَ الْبَحْرِ إِلَىٰ دَمٍ) . وَهذه إِشَارَةٌ أُخْرَىٰ لِانْعِكَاسِ اللَّوْنِ الْأَحْمَرِ الدَّمَوِيِّ عَلَى الْمُسَطَّحَاتِ الْمَائِيَّةِ نَتِيجَةَ التَّغَيُّرِ فِي الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ . /الْخُلَاصَةُ الْفِكْرِيَّةُ/ وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَضَّحُ: أَنَّ اجْتِمَاعَ هٰذِهِ الشَّهَادَاتِ مِنْ: بَرِيطَانْيَا، وَإِيرْلَنْدَا (أَقْصَى الشِّمَالِ الْغَرْبِيِّ)، وَالرُّومِ (قَلْبِ الْعَالَمِ الْقَدِيمِ)، وَالصِّينِ (أَقْصَى الشَّرْقِ)، وَالْمَصَادِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ يُثْبِتُ أَنَّ كَوْنِيَّةَ مَا حَصَلَ بَعْدَ اسْتِشْهَادِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) لَيْسَتْ ادِّعَاءَاتٍ طَائِفِيَّةً ، بَلْ هِيَ «حَقَائِقُ وُجُودِيَّةٌ كَوْنِيَّةٌ» ارْتَجَّ لَهَا الْكَوْنُ وَتَغَيَّرَتْ نُظُمُهُ ، وَوَثَّقَتْهَا أُمَمٌ لَا تَعْرِفُ عَنِ التَّشَيُّعِ أَوْ سِيَاسَاتِ الْكُوفَةِ وَدِمَشْقَ شَيْئًا. /خَاتِمَةُ الْبَحْثِ: الْقَدَاسَةُ الْحُسَيْنِيَّةُ مِنْ مَنْظُورٍ كَوْنِيٍّ/ يَتَّضِحُ مِمَّا تَقَدَّمَ : أَنَّ قَدَاسَةَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) لَيْسَتْ صِبْغَةً مَشَاعِرِيَّةً أَوْ مَحْضَ تَقْدِيسٍ مَخْلُوقٍ ، بَلْ هِيَ كَشْفٌ عَنْ وَاقِعٍ ذَاتِيٍّ ، وَرِفْعَةٍ مَلَكُوتِيَّةٍ ارْتَجَّتْ لَهَا أَرْكَانُ الْوُجُودِ . وَبِالْجُمْلَةِ : تَطَابُقَ الْمَرْوِيَّاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ـ الَّتِي وَصَفَتْ بُكَاءَ السَّمَاءِ دَمًا وَانْقِلَابَ الصُّخُورِ عَنْ دَمٍ عَبِيطٍ ـ مَعَ السِّجِلَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ لِأُمَمٍ نَائِيَةٍ كَالْحَوْلِيَّاتِ : (البريطانية) ، وَ(الْإِيرْلَنْدِيَّةِ) ، و(الرُّومانية) ، و(الصِّينِيَّةِ) يُحَوِّلُ الْقَضِيَّةَ مِنْ سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ الْمَحَلِّيِّ إِلَىٰ ظَاهِرَةٍ كَوْنِيَّةٍ شَامِلَةٍ . وَعَلَيْهِ : أَنَّهُ حِينَ تَشْهَدُ أَقْلَامُ الرُّهْبَانِ فِي أَقْصَى الْغَرْبِ ؛ وَفَلَكِيُّو الْأَبَاطِرَةِ فِي أَقْصَى الشَّرْقِ عَلَىٰ اضْطِرَابِ النَّوَامِيسِ الْكَوْنِيَّةِ فِي ذَاتِ الْحَقْبَةِ الَّتِي شَهِدَتْ مَظْلُومِيَّةَ آلِ الرَّسُولِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، يَنْقَطِعُ عُذْرُ الْمُشكِّكِين والمرتابين ، وَيَتَبَيَّنُ : أَنَّ هٰذَا التَّقْدِيسَ رَافِعٌ لِلْحُجُبِ ، مُحَرِّكٌ لِلْعُقُولِ ، وَيَدْفَعُ الْبَشَرِيَّةَ لِلتَّأَمُّلِ فِي عِظَمِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْإِلَٰهِيَّةِ الَّتِي اضْطَلَعَ بِهَا سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) ، وَالَّتِي جَعَلَتْ مِنْ دَمِهِ الشَّرِيفِ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ لَمْ يَقِفْ أَثَرُهَا عِنْدَ حُدُودِ التَّارِيخِ ، بَلْ تَخَطَّاهَا إِلَى صَفَحَاتِ عَالَمِ التَّكْوِينِ وَآفَاقِ السَّمَاوَاتِ وَالْعَوَالِمِ الصَّاعِدَةِ . وَصَلَّى اللّٰـهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الدُّخَانِ : 29. (2) ابْنُ أَعْثَمَ الْكُوفِيُّ ، الْفُتُوحُ ، 4 : 327 . (3)الطَّبَرِيُّ ، تَفْسِيرُ جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ ، 25 : 160 . (4)مُخْتَصَرُ تَارِيخِ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ : 945 . (5)تَفْسِيرُ الثَّعْلَبِيِّ ، 23 : 537 . (6) لَاحِظْ كِتَابَ : (The Anglo-Saxon Chronicle) : ص 38 وَ 35 وَ 42 . وَقَدْ سُجِّلَ هٰذَا الْكِتَابُ فِي مَكْتَبَةِ : (Everyman's Library) ، تَحْتَ رَقْمِ (642). وَهَذَا الكِتَابُ وَثِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ إِنْجِلِيزِيَّةٌ شَهِيرَةٌ ، وَالصَّفَحَاتُ المُشَارُ إِلَيْهَا تُوَثِّقُ حَادِثَةَ تَحَوُّلِ السَّمَاءِ إِلَى لَوْنِ الدَّمِ فِي عَامِ 685 م (وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي تَلَتْ وَاقِعَةَ الطَّفِّ وَمَا زَالَ أَثَرُهَا مُمتَدّاً) ، مِمَّا يُعَدُّ إِشَارَةً تَارِيخِيَّةً عَالَمِيَّةً لِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ . فَانْظُرْ : The Anglo-Saxon Chronicle, Translated by James Ingram (London: Everyman's Library, 1912), p. 38, Year 685. (حَيْثُ جَاءَ فِي النَّصِّ : "In this year in Britain it rained blood"). وَهَذَا الكِتَابُ المَوْجُودُ فِي مَكْتَبَةِ (Everyman's Library) ، ويُعَدُّ مَرْجِعاً أَوَّلِيّاً لِلْمُؤَرِّخِينَ . والرِّوَايَةُ تَظْهَرُ فِي النُّسْخَةِ المَعْرُوفَةِ بِـ (MS A) وَ (MS E) مِنَ الحَوْلِيَّاتِ ، وَهِيَ تُؤَكِّدُ أَنَّ الطَّبِيعَةَ تَفَاعَلَتْ مَعَ حَدَثٍ عَظِيمٍ وَقَعَ فِي تِلْكَ الحِقْبَةِ . وَبِالجُمْلَةِ : يُسَجِّلُ الكِتَابُ فِي أَحْدَاثِ عَامِ 685 م ـ وَهِيَ الفَتْرَةُ المُقَارِبَةُ جِدّاً لِآثَارِ اسْتِشْهَادِ الإِمَامِ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَدَاعِيَاتِهَا الكَوْنِيَّةِ ـ مَا يَلِي : النَّصُّ الأَصْلِيُّ : "685. In this year in Britain it rained blood, and milk and butter were turned into blood." وَتَرْجَمَتُهُ: أَنَّهُ « مَطَرَتِ السَّمَاءُ فِي سنَةِ (685 م) دَمًا فِي بَرِيطَانْيَا ، وَتَحَوَّلَ الْحَلِيبُ وَالزُّبْدُ إِلَىٰ دَمٍ » . (7) يُنظر: ابْنُ عَسَاكِرَ، تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ ، 14 : 228 ؛ الطَّبَرِيُّ ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ ، 25 : 160 ؛ ابْنُ أَعْثَمَ الْكُوفِيُّ ، الْفُتُوحُ ، 4 : 327 . (8) لَاحِظْ : تَفْسِيرُ جَامِعِ الْبَيَانِ ، لِابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ، 25 : 160 . الدُّرُّ الْمَنْثُورُ ، لِلسُّيُوطِيِّ ، 5 : 748 . تَهْذِيبُ الْكَمَالِ ، 6 : 433 . ذَخَائِرُ الْعُقْبَىٰ ، لِلطَّبَرِيِّ : 145 . تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ ، 14 : 228